عبد الملك الجويني

89

الشامل في أصول الدين

البناء وتقدرت فيه الكتابة . فكذلك الحدوث يعلم على الجملة ، وإن لم يتعين الوقت . فالذي يوضح ذلك أن الأعراض حادثة على الجملة ، وإن لم تتعين أوقات حدوثها . فإن لم يبعد ذلك في الأعراض ، لم يبعد فيما قارن الأعراض ، ولم يسبقها . والتحقيق فيها : أنا عرفنا حدث الأعراض على الجملة وثبوت الأولية لها ، فعرفنا حدث ما لا يعرّي عنها على الجملة . ولو تعين لنا وقت أول حادث ، لتعين لنا وقت حدوث ما قارنه ولم يسبقه . ووضوح ذلك يغني عن الإطناب فيه . فإن قال قائل : الحوادث التي نراها طارئة على الأجسام في وقتنا ، لا تدل على حدث الأجسام . والحوادث التي قبل هذه مثلها ، فإذا لم يدل بعضها ، لم يدل سائرها . وهذا ركيك واضح البطلان . وكذا نحاول بمثل هذا الكلام رد ما ثبت ضرورة . وسبيل إيجاب الانفصال أن نقول : الحوادث التي في وقتنا وقعت الجواهر قبلها ، فلم تدل على حدثها ، وأول الحوادث لم تسبقه الجواهر ، فدل على حدثها . فوضح الانفصال عن السؤال . ومما يهذون به في الأصلين ، معارضات لفظية لا محصول لها : منها أنهم قالوا : لو لزم القول بأن ما لا يعري من الحوادث حادث ، لزم أن يقال ما لا يعري عن الأعرض عرض ، وما لا يعري عن الألوان لون ، وما لا يعري عن المنقضيات منقض ، وما لا يعري عن ما لا يبقى ، فغير باق . وسبيل الجواب عن جميعها وجهان : أحدهما : الامتناع عن قبول المعارضات عند استناد الدعوى إلى البداءة والضرورات . فإنا أوضحنا أن ما لم يتحقق وجوده قبل حادث ، ولم يكن متقدما عليه ، ثم كان مقارنا له ، فقد ثبت ضرورة أنه لم يكن فكان . ومن رام في ذلك لنا قدحا مع تسليم الأصول ، لم يتقبل منه ، ونزل قوله منزلة مغالطات أهل السفسطة « 1 » عند إنكار المشاهدات ، وجحد المحسوسات . والوجه الآخر في الجواب أن نقول : ما لا يسبق الحوادث ، فقد شاركها في حقيقة الحدوث . فإنه من حيث لم يسبق الحوادث فقد تأخر ، وكان بعد أن لم يكن . ومن حكم الحادث أن لا يسبق على الإطلاق ، فلما شارك ما لا يعري عن الحادث الحادث فيما يؤول إلى حقيقة الحدوث ، لزم الحكم بحدوثه . وإذا قلنا : لا يعري الجوهر عن العرض ، فليس في ذلك تثبيت مشابهة بينهما في حقيقة الأعراض أو حقيقة الجواهر . وكذلك إذا قال القائل : لا يعري الجوهر مما لا يبقى ، فليس في عدم عروه مما لا يبقى ، تشريك بينه وبين ما لا يبقى في حقيقة نفي البقاء . فلم

--> ( 1 ) السفسطة : القياس الباطل أو الذي يقصد به تمويه الحقائق وإسكات الخصم ( ج ) سفسطات والنسبة إليه سفسطي .